الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي
33
حاشية المكاسب
مختصّة بمن الفاحشة عيب في حقّه وهم المكلَّفون دون غيرهم ممّن الفاحشة وسائر المباحات في حقّهم شرع سواء قوله قدس سره ولعلَّه من جهة أن الإطلاقات منصرفة بل قيد الكراهة معتبر صريحا في الأخبار المفسّرة للغيبة وأيضا في كلمات بعض اللَّغويين قوله قدس سره بقي الكلام في أمور الأوّل اعلم أنّ هذه المسألة نظير المسألة السّابقة في عدم الاشتباه الحكمي فيها وإنّما الاشتباه فيها موضوعي راجع إلى تعيين موضوع الغيبة وإذ لا عرف مبيّن في تعيين موضوع الغيبة ولا اتّفاق من اللَّغويّين على أمر ولا يعرف كلّ الخصوصيات من الأخبار فلا جرم يقتصر في الحكم بالتحريم على المتيقن والمتيقن هو حرمة ما اشتمل على كلّ قيد قيل أو احتمل أو قامت عليه رواية ولو ضعيفة ويرجع فيما عدا ذلك إلى البراءة وهذه القيود عبارة عن عدّة أمور الأوّل أن يكون المذكور سوءا خُلقيّا أو خَلقيّا أو اعتباريّا أو شرعيّا فلو ذكر شخص بغير ذلك لم يكن غيبة كم إذا ذكره بفعل المباحات أو بالمواظبة على النوافل أو التهجّد أو حمل الصّدقات في أطراف الثّياب إلى الفقراء في جوف اللَّيل لم يكن ذلك من الغيبة وإن كره ذكره بذلك فإنّ مجرّد كراهة الذّكر لا يدرجه في الغيبة وإن حرم من جهة الإيذاء نعم إذا ذكر ما دلّ على نقصه بالالتزام كما إذا نفي الاجتهاد عمن صرف عمره في تحصيل العلوم الدينيّة الكاشف ذلك عن غباوته وقلَّة فهمه أو نسب إليه معرفة الكيمياء الكاشف عن صرف أوقاته في أمثال تلك العلوم وترك الأهمّ دخل بمدلوله الالتزاميّ في الغيبة ثم إنّ اعتبار هذا القيد ممّا لا إشكال فيه وهو مراد من صرّح به ومن ترك ذكره الثاني أن يكون ممّا يسوء المغتاب بالفتح فلو ذكر سوءا لا يسوء المغتاب لخصوصيّة في المغتاب بالفتح أو في المغتاب بالكسر لم يكن ذلك من الغيبة ويستفاد اعتبار الكراهة في حقيقة الغيبة من النبويّين ومن كلمات اللَّغويّين نعم الإشكال واقع في أنّ متعلَّق الكراهة هل هو المذكور بأن يكون المغتاب بالفتح كارها لوجود ما نسب إليه أو أنّ متعلَّقها ذكره بتلك الصّفة وبعبارة أخرى علم النّاس باتّصافه بتلك الصّفة وإن لم يكن كارها لوجودها كذكره بارتكاب الفواحش والظَّاهر عدم تجاوز الاحتمال عن هذين فإنّ احتمال دخول ما إذا كره الكلام لا بما هو ذكر وإعلام بصفة المغتاب بل بما أنّه مشعر بالذم كالأعور والأعرج أو بما أنه اسم جبار أو مبدع وقد أطلق عليه أو بما أنّه يوقظه من المنام أو يفرّق حواسّه من الفكر والمطالعة فإنّ كراهة الألفاظ بهذه الاعتبارات خارجة عن الغيبة قطعا بل ليس ذكرا للسّوء فيخرج عن الغيبة بانتفاء القيد الأوّل ثم إنّ ظاهر النبوي وكذا ظاهر كلمات اللَّغويين عدا الصّحاح اعتبار كراهة المذكور دون الذكر لكنّ المظنون إرادتهم كراهة الذكر والإعلام بالصّفة وقد نقل المصنّف عن بعض من قارب عصره تطابق الإجماع والأخبار على أنّ حقيقة الغيبة أن يذكر الغير بما يكرهه لو سمعه فإنّ التّقييد بقوله لو سمعه كالصّريح في إرادة كراهة الذكر دون المذكور نعم لو اشتبه علينا ولم يتّضح لنا أنّ أيّ الكراهتين دخيل في المعنى فاللَّازم الاجتناب عن كليتهما للعلم الإجمالي بحرمة الذّكر مع إحدى الكراهتين ومقتضاه اجتناب أطراف الشبهة لكن الذي يهوّن الخطب ملازمة الكراهتين وعدم انفكاك كراهة الذكر بما هو ذكر وإعلام عن كراهة وجود الصّفة وتوهّم الانفكاك بينهما ناش من ملاحظة ذكر الشخص بارتكاب الفواحش الغير المكروه له خارجه ولذا يرتكبه ويكره علم النّاس به ويدفعه أنّ خارج الارتكاب أيضا مكروه له وقوة شهوته إلى الارتكاب لا ينافي بغضه له بقوّته العاقلة فهو كاره لميله هذا ويودّ أن لا يعصي اللَّه طرفة عين فعلى ما ذكرناه يرجع النّزاع في إرادة كراهة الذّكر أو المذكور لغوا لا أثر له الثالث أن يكون ذكره في مقام التّنقيص وقد أشار إلى هذا القيد في القاموس فقال غابه أي عابه وذكره بما فيه من السوء وصرّح باعتبار هذا القيد الشّهيد الثاني في عبارته المنقولة في المتن فقال إنّ الغيبة ذكر الإنسان في غيبته بما يكره نسبته إليه بما يعدّ نقصا في العرف بقصد الانتقاص والذّم وأصرح من ذلك عبارة جامع المقاصد المنقولة عند التعرض للمستثنيات وفيها أنّ ضابط الغيبة المحرّمة كلّ فعل يقصد به هتك عرض المؤمن أو التفكَّه به أو إضحاك النّاس به وأمّا ما كان لغرض صحيح فلا يحرم كنصح المستشير والمتظلَّم وسماعه والجرح والتعديل وردّ من ادّعى نسبا ليس له والقدح في مقالة باطلة خصوصا في الدّين وهذا لازم كلّ من جوّز الغيبة في موارد الاستثناء بلا موازنة الصّلاح والفساد فإنّ ذلك يكشف عن قصور أدلَّة المنع عن الشمول لصورة الذكر لغرض صحيح لكن إطلاق الآيات والأخبار غير قاصر عن شمول كلتا الصّورتين بل ذكر العيب بذاته تنقيص وإن لم يكن ذكره لغرض التّنقيص ودعوى انصراف الأدلَّة إلى صورة قصد التنقيص قابلة للمنع الرابع أن يكون المذكور عيبا مستورا على النّاس أمّا لو كان ظاهرا لم يكن ذكره غيبة والظَّهور على أقسام ثلاثة ظهور شخصيّ وذلك بأن يعلمه المخاطب بما يذكر له من الصّفة وظهور نوعيّ بأن يعلمه كثير من النّاس وإن لم يعلمه هذا وظهور شأني بأن كان العيب من شأنه الظَّهور بأدنى ممارسة وإن لم يظهر بعد على أحد ومثّل له في الرّواية بالحدّة والعجلة أمّا مع الظهور الأوّل فلا ينبغي الإشكال في جواز الغيبة فإنّ ظاهر الأدلَّة حرمة إظهار العيب لا مجرّد ذكره ولو لمخاطب عالم وأمّا مع الظهور الثاني فيستفاد عدم حرمة الغيبة عنده من أخبار كثيرة بعضها مذكور هنا وبعضها مذكور في المستثنيات عند ذكر المتجاهر بالفسق وأوضح الأخبار دلالة قول أبي الحسن ع في رواية الأزرق من ذكر رجلا من خلفه بما هو فيه ممّا عرفه النّاس لم يغتبه وأمّا مع الظَّهور الثالث فيستفاد من حسنة عبد الرّحمن أو صحيحته الجواز وفيها عن أبي عبد اللَّه ع الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره اللَّه عليه وأمّا الأمر الظَّاهر مثل الحدّة والعجلة فلا فإنّ المثال بالحدّة والعجلة كالصّريح في إرادة الظهور الشّأني والإشراف على الظهور والشّبهة في المقام كاف لنا في الفتوى بالجواز مع أحد الظَّهورات فضلا عمّا زاد على ذلك الخامس وجود المخاطب فلو ذكره بلا مخاطب فلا غيبة فإنّه أولى بالجواز من صورة وجود مخاطب يعلم بالصّفة والأدلَّة كلَّا منصرفة إلى صورة وجود المخاطب بل قيد الكراهة غير حاصل مع عدم المخاطب السادس ذكر المغتاب بالفتح على وجه يرتفع عنه الجهالة والإبهام رأسا فلو ذكر مجهولا بسوء مردّد بين أطراف غير محصورة كواحد من البشر أو من أهل البلد أو ذكر مجهولا مردّدا بين أطراف محصورة كمسمّى بزيد المردّد بين اثنين لم يكن ذلك غيبة ونحن نذكر هذا الأخير وبذلك يتّضح حكم الأوّل فنقول إذا ذكر أحد الاثنين بسوء من غير تعيين صدق أنّه لم يذكر هذا بسوء ولا ذكر ذلك بسوء فلم يكن اغتاب هذا ولا ذلك نعم صدق أيضا أنه ذكر أحدهما بسوء من غير تعيين فلو كانا كارهين لهذا الذكر يكون قد اغتاب واحدا مردّدا لكن ذكر الواحد المردّد خارج عن منصرف الأدلَّة فإنّ ظاهر الأدلَّة ذكر الشّخص معيّنا عند المخاطب نعم عرّضهما جميعا لاحتمال السّوء لكن التعريض عنوان آخر فإن حرم حرم لا بعنوان الغيبة بقي شيء وهو أنّه لو شكّ في تحقّق شيء من القيود المعتبرة في الغيبة أو في موضوع الحرمة لزم الحكم بالجواز فلو شكّ أنّ الصّفة صفة سوء أو لا أو شكّ أن المغتاب بالفتح كاره للذّكر أو لا أو شكّ في أنّ الصّفة مستورة أو لا أو شكّ أن هناك مخاطب يسمع الخطاب أو لا جاز الذكر خاصّة إذا اقتضى الأصل عدم حصول القيد كالكراهية فإنّ مقتضى الاستصحاب عدم الكراهية ولو من حال الصّغر وعدم الشعور نعم إذا اقتضى الأصل حصول القيد كما بالنّسبة إلى الظهور الخارجيّ ومعرفة النّاس أو المخاطب بالصّفة فإنّ الأصل عدم المعرفة وبذلك يحكم بحرمة الذكر إلَّا أن يقال إنّ العبرة في الحرمة بتحقّق الذكر والإعلام واستصحاب عدم علم المخاطب